صديق الحسيني القنوجي البخاري

93

فتح البيان في مقاصد القرآن

من الموت أو العذاب ، باقين في الدنيا . ولما أبهم النعم في هذا فسرها بقوله : فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ ذكر النخل مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار ، أو لأن المراد بها غيره من الأشجار ، وكثيرا ما يذكرون الشيء الواحد بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولا يقصدون إلا الإبل ، وهكذا يذكرون الجنة ولا يريدون إلا النخل . وهو اسم جمع ، الواحدة نخلة ، وكل اسم جمع كذلك يؤنث ويذكر ، وأما النخيل بالياء فمؤنثه اتفاقا . طَلْعُها هَضِيمٌ أو ما يطلع من الثمر ، وبعده يسمى خلالا ، ثم بلحا ، ثم بسرا ثم رطبا ثم تمرا ، وفي البيضاوي : هو ما يطلع منها كنصل السيف ، في جوفه شماريخ القنو . انتهى . وهذا التشبيه من حيث الهيئة والشكل والهضيم هو النضيج ، الرخص اللين اللطيف ، أو متدل متكسر من كثرة الحمل وقيل ما لم يخرج من كفراه لدخول بعضه في بعض . وحكى الماوردي في معنى هضيم اثني عشر قولا أحسنها وأوفقها باللغة ما ذكرناه ، وعن ابن عباس قال هضيم معشب ، وعنه قال أينع وبلغ ، وعنه قال أرطب واسترخى . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ النحت النجر والبري ؛ نحته ينحته بالكسر ، براه والنحاتة البراية ، والمنحت ما ينحت به ؛ وكانوا ينحتون بيوتهم من الجبال ، لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر ، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم ، وفي الخطيب ، وكان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة . وكذا كان قوم هود . وقرىء ( فرهين ) قال أبو عبيد وغيره وهما بمعنى واحد ، والفره النشاط وشدة الفرح ، وفرق بينهما أبو عبيد وغيره فقالوا فارهين حاذقين بنحتها ، قاله ابن عباس ، وقيل : متجبرين ، وفرهين بطرين اشرين ؛ وبه قال مجاهد وابن عباس ، وغيره وقيل : شرهين . وقال الضحاك : كيسين . وقال قتادة معجبين ناعمين آمنين وبه قال الحسن . وقيل : فرحين قاله الأخفش . وقال ابن زيد أقوياء . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما أمرتكم به وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ أي المشركين ، وقيل : التسعة الذين عقروا الناقة جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي في النسبة الايقاعية ؛ والمراد الآمر . ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله : الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ أي ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض ولا يصدر منهم الصلاح بطاعة اللّه البتة . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 153 إلى 159 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 )